مجمع البحوث الاسلامية

173

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تعالى عنه أكثر » . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس أنّه قال في الآية : ما كان من نكبة فبذنبك وأنا قدّرت ذلك عليك ، وعن أبي صالح مثله . وقال الزّجّاج : الخطاب لرسول اللّه والمقصود منه الأمّة ، وقيل : له عليه الصّلاة والسّلام لكن لا لبيان حاله بل لبيان حال الكفرة بطريق التّصوير ، ولعلّ العدول عن خطابهم لإظهار كمال السّخط والغضب عليهم ؛ والإشعار بأنّهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب ، لا سيّما بمثل هذه الحكمة الأنيقة . ثمّ اعلم أنّه لا حجّة لنا ولا للمعتزلة في مسألة الخير والشّرّ بهاتين الآيتين ، لأنّ إحداهما بظاهرها لنا ، والأخرى لهم ، فلا بدّ من التّأويل وهو مشترك الإلزام ، ولأنّ المراد بالحسنة والسّيّئة : النّعمة والبليّة لا الطّاعة والمعصية ، والخلاف في الثّاني ، ولا تعارض بينهما أيضا لظهور اختلاف جهتي النّفي والإثبات . وقد أطنب الإمام الرّازيّ في هذا المقام كلّ الإطناب بتعديد الأقوال والتّراجيح ، واختار تفسير الحسنة والسّيّئة بما يعمّ النّعم والطّاعات والمعاصي والبليّات . وقال بعضهم : يمكن أن يقال : لمّا جاء قوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ بعد قوله سبحانه : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ النّساء : 78 ، ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النّعمة ، والسّيّئة على البليّة ، ولمّا أردف قوله عزّ وجلّ : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ بما سيأتي ناسب أن يحملا على ما يتعلّق بالتّكليف من المعصية والطّاعة - كما روي ذلك عن أبي العالية - ولهذا غيّر الأسلوب فعبّر بالماضي بعد أن عبّر بالمضارع . ثمّ نقل عن الرّاغب أنّه فرّق بين قولك : هذا من عند اللّه تعالى ، وقولك : هذا من اللّه تعالى ؛ بأنّ « من عند اللّه » أعمّ من حيث إنّه يقال فيما كان برضاه سبحانه وبسخطه ، وفيما يحصل ، وقد أمر به ونهى عنه ؛ ولا يقال : « من اللّه » إلّا فيم كان برضاه وبأمره ، وبهذا النّظر قال عمر : « إن أصبت فمن اللّه وإن أخطأت فمن الشّيطان » فتدبّر . ونقل أبو حيّان عن طائفة من العلماء أنّ ( ما أصابك ) إلخ على تقرير « القول » أي فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون : ما أصابك من حسنة إلخ ، والدّاعي لهم على هذا التّمحّل توهّم التّعارض . وقد دعا آخرون إلى جعل الجملة بدلا من ( حديثا ) على معنى أنّهم لا يفقهون هذا الحديث ، أعني ( ما أصابك ) إلخ فيقولونه غير متحاشين عمّا يلزمه من تعدّد الخالق ، وآخرون إلى تقدير استفهام إنكاريّ ، أي فَمِنْ نَفْسِكَ ، وزعموا أنّه قرئ به . وقد علمت أن لا تعارض أصلا من غير احتياج إلى ارتكاب ما لا يكاد يسوغه الذّوق السّليم ، وكذا لا حجّة للمعتزلة في قوله سبحانه : ( حديثا ) على كون القرآن محدثا لما علمت من أنّه ليس نصّا في القرآن ، وعلى فرض تسليم أنّه نصّ لا يدلّ على حدوث الكلام النّفسيّ والنّزاع فيه ، ثمّ وجه ارتباط هذه الآيات بما قبلها على ما قيل : إنّه سبحانه بعد أن حكى عن المسلمين ما حكى وردّ عليهم بما ردّ ، نقل عن الكفّار ما ردّه عليهم أيضا ، وبين المحكيّين مناسبة من حيث اشتمالها على إسناد ما يكره إلى بعض الأمور ، وكون الكراهة له بسبب ذلك ، وهو كما ترى . ( 5 : 89 )